من قال أننا شعب لا يضحك ولا يبتسم؟ الجميع... لكن الجميع غلطانين وقوة ملاحظتهم تؤول للصفر، لكن توجد فرصة مؤكدة للتحقق من الأمر، مع أنها ممكن أن تكون بعد فوات الأوان؛ بعد أن تموت.0بعد أن تموت، ويصبح اسمك فجأة "المرحوم" فلان، ويقام لك بيت عزاء، ويدلّل عليك بسهم مرسوم بقلم "فولوماستر" على ورقة تتلاعب بها الرياح على شارة مرورية - رغم الطائلة القانونية – للوصول إلى بيتك، أو بيت العزاء بك بالأحرى، وبعد أن يصطف أبوك وإخوانك وأولاد عمومتك يستقبلون أقاربك وأصدقاءك، انظر للأعلى (أو للأسفل إن شئت) وانظر بين الحضور، لا، لا تنظر إليهم لحظة الدخول، فالوجوه حزينة أو تكاد أن تكون، انتظر قليلاً، ها هم يمسّون "مساكم الله بالخير"، ويجلسون ويتناولون جرعة من القهوة على شرف حياتك ويدعون لك بالرحمة، يأكلون التمر ويشربون الماء ثم يشعلون سيجارة، في هذه الأثناء تنزاح الأعين عنهم وتنشغل بالقادمين الجدد، ويفقد الواحد منهم شعوره بأنّه الشخصية الأهم في الجلسة، فيبدأون بالكلام، وبالحديث عنك، نصيحتي؟ ابق بعيداً حيث أنت، بعض الحكماء – وما أكثرهم بيننا – لن يكتفي بذكر محاسنك فقط، بل سيعاتبك على شقاوتك ويذكر نوادرك، ومن هنا يبدأ المسلل الذي لا أنصحك بالاستماع إليه، شاهد عن بعد واترك لنفسك ملء الفراغ، اعتقِد لوهلة أنّهم يتحدثون عنك، وما زالوا يتحدثون عنك طيلة الجلسة، حتى ذاك الذي رفع صوته في الكلام ولم تكنّ يداه، نعم هو يتحدث عنك وعن مآثرك الطيبة، كلّهم هناك بسببك، لم يغصبهم أحد على القدوم، لكن –عشاني- لا تقترب، ابق بعيداً، طِر بعيداً، أو ارقد بعيداً، لأنّ الحقيقة يا صديقي أن الحديث ليس عنك، ولا عن مآثرك، والأسنان الظاهرة – المكتملة منها والمتساقطة – لا تتبسّم على ذكر نوادرك حتّى، إنهم يتحدثون عن البورصة، وعن الأسعار، وعن الساتالايت، وعن برشلونة وريال مدريد، إنهم يخبرون النكات، ويبتسمون، ويضحكون على هذا وذاك. لربما تتساءل الآن يا صديقي، ولماذا إذاً كلّما كنت تحاول التحدث لأحدهم أيام كنت بيننا استقبلك بوجه عابس؟ ولماذا إذا ابتسمت في وجه آخر اعتقد أنّك لا بد تدبّر أمراً أو تتندر عليه؟ لماذا يضحكون الآن بالذات؟ أقول لك لماذا... 0
لأنّنا شعب بشوش، وفرايحي، نحن نحب الضحك، ونحب الحياة، ونقاتل النكد بما استطعنا إليه سبيلاً... 0
لكنّنا لا نحترم الموت، ولا الشهداء، ولا الغياب.0
نادر، أخي ورفيق طفولتي، لديك الآن الأزل بأكمله أمامك لتنسى البشوشين الذين دنّسوا عزاءك، فانسهم، وانسني إن شئت، وارقد مستريحاً –عشاني-.0
http://naserz.blogspot.com